محمد بن جرير الطبري

540

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

مكذبهم هو والسماوات والأرض وما فيها ، إما باللسان ، وإما بالدلالة . وذلك أن الله جل ثناؤه أخبر عن جميعهم ، بطاعتهم إياه ، وإقرارهم له بالعبودية ، عقيب قوله : ( وقالوا اتخذ الله ولدا ) ، فدل ذلك على صحة ما قلنا . * * * القول في تأويل قوله تعالى : { بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ } قال أبو جعفر : يعني جل ثناؤه بقوله : ( بديع السماوات والأرض ) ، مبدعها . * * * وإنما هو " مُفْعِل " صرف إلى " فعيل " كما صرف " المؤلم " إلى " أليم " ، و " المسمع " إلى " سميع " . ( 1 ) ومعنى " المبدع " : المنشئ والمحدث ما لم يسبقه إلى إنشاء مثله وإحداثه أحد . ولذلك سمي المبتدع في الدين " مبتدعا " ، لإحداثه فيه ما لم يسبقه إليه غيره . وكذلك كل محدث فعلا أو قولا لم يتقدمه فيه متقدم ، فإن العرب تسميه مبتدعا . ومن ذلك قول أعشى بني ثعلبة ، ( 2 ) في مدح هَوْذَة بن علي الحنفي : يُرعي إلى قول سادات الرجال إذا . . . أبدوا له الحزم ، أو ما شاءه ابتدعا ( 3 ) أي يحدث ما شاء ، ومنه قول رؤبة بن العجاج : فأيها الغاشي القِذَافَ الأتْيَعَا . . . إن كنت لله التقي الأطوعا فليس وجه الحق أن تَبَدَّعا ( 4 ) يعني : أن تحدث في الدين ما لم يكن فيه . * * *

--> ( 1 ) انظر ما سلف 1 : 251 ، وهذا الجزء 2 : 140 ، 377 ، 506 . ( 2 ) في المطبوعة : " الأعشى بن ثعلبة " ، وهو خطأ محض . ( 3 ) سلف تخريجه في هذا الجزء : 2 : 464 . ( 4 ) ديوانه : 87 ، واللسان ( بدع ) من رجز طويل يفخر فيه برهطه بني تميم . ورواية الديوان " القذاف الأتبعا " ، وليس لها معنى يدرك ، ورواية الطبري لها مخرج في العربية . " الغاشي " من قولهم : غشي الشيء : أي قصده وباشره أو نزل به . والقذاف : سرعة السير والإبعاد فيه ، أو كأنه أراد الناحية البعيدة ، وإن لم أجده في كتب العربية . والأتيع : لم أجده في شيء ، ولعله أخذه من قولهم : تتايع القوم في الأرض : إذا تباعدوا فيها على عمى وشدة . يقول : يا أيها الذاهب في المسالك البعيدة عن سنن الطريق - يعني به : من ابتدع من الأمور ما لا عهد للناس به ، فسلك في ابتداعه المسالك الغريبة .